كيف صارت لمحة ضبابية حلقة واضحة في قلب مجرة بعيدة؟
قبل كسوف حلقي نادر بدقائق، ناس على تلال وشواطئ يثبتون الكاميرات. غيوم رقيقة تمر وتفسد نصف اللقطات. مع ذلك الكل يريد نفس الشيء: حلقة مضيئة ومركز داكن للحظة واحدة. الفكرة هنا مثل مطاردة الكسوف، لكن على مستوى كوكب كامل.
الهدف لم يكن الشمس، بل نقطة راديوية صغيرة في قلب مجرة اسمها M87، يسمونها M87*. الوعد بسيط: غاز ساخن يلمع حول ثقب أسود، والجاذبية تثني الضوء فيظهر كحلقة، والوسط يظلم لأن ضوءا كثيرا يسقط ولا يعود. المشكلة أن الحلقة تبدو دقيقة جدا من الأرض.
الحل كان جمع “مراقبي الكسوف” حول العالم: مراصد راديوية متباعدة سجلت نفس الموجات في الوقت نفسه خلال ليال في عام 2017. حين يطابقون التوقيت بدقة ويصححون الفروق الصغيرة، يمكن ضم الإشارات كأن الأرض كلها عدسة واحدة. الخلاصة: لقطات كثيرة ضعيفة تصبح صورة أوضح حين تتشارك نفس الساعة.
يبقى خوف مزعج: هل صنعوا الحلقة بالتركيب من غير قصد؟ لذلك فرق مستقلة أعادت بناء الصورة بطرق مختلفة، وقارنوا ليالي متعددة بعد توحيد درجة الوضوح. النتيجة تكررت: حلقة شبه دائرية، ووسطها أخفت بكثير من الحلقة. مثل صور كسوف مشوشة بالغيوم، لكنها تتفق على نفس الحلقة ونفس الظل.
الحلقة لم تكن متساوية السطوع. جزء منها بدا أبهى، ومع الأيام يتحرك موضع اللمعان قليلا. التفسير الأقرب أن الغاز يدور بسرعة هائلة قرب الثقب الأسود، والجانب المتجه إلينا يبدو أقوى. هنا حد التشبيه: في الكسوف قد يكون السبب غيم أو وهج عدسة، أما هناك فالتفاوت متوقع من الحركة السريعة.
ثم سؤال المعنى: ماذا تقول لنا هذه الحلقة عن حجم الثقب الأسود؟ قارنوا حجم الحلقة بصور كثيرة مولدة بالحاسوب تلتزم بقواعد الجاذبية القوية والغاز الساخن الممغنط، ثم جعلوها تمر بنفس ظروف الرصد للمقارنة العادلة. هكذا وصلوا إلى كتلة تقارب 6.5 مليار شمس، واستبعدوا صورا كانت ستظهر تذبذبا وفوضى أكثر مما رصدوه.
في النهاية صار مركز مجرة بعيدة شيئا يمكن رؤيته كحلقة مع قلب داكن، لا مجرد نقطة وتخمينات. شكل الحلقة القريب من الدائرة يساند فكرة أن الجاذبية هناك تسير كما نتوقع، على قدر ما تسمح به هذه الصورة. مثل مطاردي الكسوف حين تتطابق حلقاتهم رغم الغيوم، ترك أبعد “حافة” في الفضاء أثرا يمكن قياسه.